الراغب الأصفهاني
109
الذريعة إلى مكارم الشريعة
والهوى ؟ قيل : الشهوة ضربان : محمودة ومذمومة . فالمحمودة من فعل اللّه سبحانه وهي قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما يظن فيه صلاح البدن . المذمومة من فعل البشر . . . وهي استجابة النفس لما فيه لذتها البدنية ، والهوى هو هذه الشهوة الغالبة إذا استتبعت الفكرة ، وذلك أن الفكرة بين العقل والشهوة ، فالعقل فوقها والشهوة تحتها ، فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو العقل صارت رفيعة فولدت المحاسن ، وإذا اتضعت ومالت نحو الهوى والشهوة صارت وضيعه وولدت المقابح . والنفس قد تريد ما تريد بمشورة العقل تارة وبمشورة الهوى تارة ، ولهذا قد يسمّى الهوى إرادة . في ذكر الخاطر الذي يعرض من جهة العقل والهوى أول ما يعرض من ذلك السانح ثم الخاطر ، وإلى ذلك أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمّة ، فأما لمّة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق ، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، ثم قرأ : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » ثم من بعدهما الإرادة ثم العزم ثم العمل . فالسانح علة الخاطر ، والخاطر علة الإرادة ، والإرادة وهي الهمة علة العزم ، والسانح والخاطر يعبر عنهما بالهاجس والواجس ( و ) يتجافى عنهما ما لم يصيرا إرادة وعزما .
--> ( 1 ) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب . الترمذي / 5 / كتاب تفسير القرآن باب / 3 / حديث 2988 .